عثمان بن جني ( ابن جني )
39
سر صناعة الإعراب
وأنشد سيبويه : فبينا نحن نرقبه أتانا * معلّق وفضة وزناد راعي " 1 " أراد بين نحن نرقبه أتانا ، فأشبع الفتحة ، فحدثت بعدها ألف . فإن قيل : فإلام أضاف الظرف الذي هو بين ، وقد علمنا أنّ هذا الظرف لا يضاف من الأسماء إلا إلى ما يدل على أكثر من الواحد ، أو ما عطف عليه غيره بالواو دون سائر حروف العطف ، نحو المال بين القوم ، والمال بين زيد وعمرو ، وقوله " نحن نرقبه " : جملة ، والجملة لا مذهب لها بعد هذا الظرف ؟ فالجواب : أنّ هاهنا واسطة محذوفا ، وتقدير الكلام : " بين أوقات نحن نرقبه أتانا " ، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إيّاه ، والجمل مما يضاف إليها أسماء الزمان ، نحو أتيتك زمن الحجّاج أمير ، وأوان الخليفة عبد الملك ، ثمّ إنه حذف المضاف ، الذي هو أوقات ، وأولى الظرف الذي كان مضافا إلى المحذوف الجملة التي أقيمت مقام المضاف إليها ، كقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] " 2 " ، أي أهلها ، هكذا علّقت عن أبي عليّ " 3 " في تفسير هذه اللفظة وقت القراءة عليه ، وقلّ من يضبط ذلك ، إلا من كان متقنا أصيلا في هذه الصناعة .
--> ( 1 ) الوفضة : خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده ، جمعها وفاض . لسان ( 6 / 4883 ) . والزناد : مفرد كالزند : خشبتان يستقدح بهما ، فالسفلى زنده ، والأعلى زند . ابن سيده . لسان العرب ( 3 / 1871 ) . مادة ( زند ) ، وقد أثبتنا البيت على ما جاء في لسان العرب . وزناد : منصوب حملا على موضع الوفضة ، لأن المعنى يعلق وفضة وزناد راعي . والشاهد فيه : إشباع فتحة الفتح ( أتانا ) فحدث بعدها ألف . إعراب الشاهد : أتى : فعل ماضي مبني ، و ( نا ) ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به ، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو ، والجملة لا محل لها من الإعراب . ( 2 ) واسأل القرية : أسلوب أمر الغرض منه الالتماس ، ويعني بالقرية أهل المصر . انظر / تفسير ابن كثير ( 2 / 487 ) ، والآية بها مجاز مرسل علاقته المكانية حيث ذكر المكان وقصد به أهله . ( 3 ) أبو علي : هو أبو علي الفارسي ، الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الإمام النحوي الكبير ، والمؤلف ينقل عنه كثيرا ، لأنه أستاذه الذي تخرج به . توفى سنة 377 ه .